بقلم: د. محمد سالمان
يضمّ كتاب "الحِلية" نحو سبعمائة ترجمة للزُّهّاد والعبّاد والصالحين. ذكر المؤلّف في مقدّمته أن سبب تصنيفه للكتاب كان استجابةً لطلب رجل سأله أن يجمع كتابًا يتضمّن أسماء جماعة من الزهّاد، ومقتطفات من كلامهم، وبعض أحاديثهم ومقولاتهم.
بنى أبو نُعيم كتابه على أساس الترتيب الزمني بوجه عام، وإن لم يكن قد التزمه بصورة دقيقة. فقد بدأه بترجمة العشرة المبشّرين بالجنّة، ثم أورد زُهّاد الصحابة، ثم أهل الصُّفّة، ثم التابعين وتابعيهم، ثم من يليهم إلى عصره، ولكنه لم يذكرهم مرتّبين على درجات الفضل، ولا على المواليد، ولا على الوفيات، ولا على البلدان، خاصة في آخر الكتاب، مما يجعل القارئ في حيرة لأن يهتدي لعَلَم من الأعلام يريد معرفة سيرته.
أقرأ أيضا :"الحُجّة في القراءات السبع" لابن خالويه (2 - 2)
وعلى هذا فقد راعى المؤلّف غالبًا مبدأين في الترتيب هما: الزمن ودرجات الفضل.
اعتمد أبو نُعيم في كتابه على مصادر ثلاثة:
الأول: مصدر شخصي، وهو ما رواه عن مشايخه مشافهة، وهو الغالب في الكتاب.
والثاني: مصادر عامة ومتداولة مثل صحيح البخاري ومسلم وغيرها من كتب السنة والكتب المعروفة المتداولة.
والثالث: كتب متصلة بحياة الزهّاد وأقوالهم غير معروفة وليست متداولة بين أيدينا الآن، وربما ضاعت مع ما ضاع من كتب كثيرة من تراثنا العربي، كاعتماده مثلًا على كتاب "طبقات النسّاك" لابن الأعرابي وغيره.
وللكتاب محاسن ومزايا كثيرة، نذكر منها: أنه أوسع الكتب ترجمة لسير الزهّاد والصالحين بدءًا من عصر الصحابة حتى عصر المؤلف، كما أنه من أغنى الكتب التي تضم الحكم والمأثورات النافعة من أقوال العلماء والوعاظ، ويضم كذلك مقطوعات من الشعر الذي قيل على لسان المتصوفة وأرباب القلوب، ويُعدّ مصدرًا مهمًا لجمع أشعار هؤلاء الزهّاد والوعّاظ.
ومن مزاياه أيضًا أنه يضم حكايات لطيفة تأخذ بألباب القرّاء، وقد أكسبت تلك الحكايات واللطائف الكتاب شهرة واسعة.
كما يضم الكتاب مجموعة كبيرة من الأحاديث تفرّد بها المؤلف، وربما لا نجدها في كتاب غيره، وهي بلا شك ليست على درجة واحدة من الصحة وقوة السند.
تلك هي بعض مزايا "الحِلية" التي أكسبته شهرة وذيوعًا وانتشارًا، حتى قال ابن ناصر الدين: لما صُنّف كتاب الحِلية حُمل إلى نيسابور فبيع بأربعمائة دينار (تذكرة الحفاظ: 1094، شذرات الذهب 3/245). وقال الحافظ السلفي: لم يُصنّف مثل كتابه "حلية الأولياء" (تذكرة الحفاظ: 1094).
وقال عنه السبكي: هو من أحسن الكتب (طبقات الشافعية: 21/4).
ليس معنى هذا أن الكتاب يخلو من المآخذ، فقد أُخذ عليه بعض العلماء أشياء، منها: أن أبا نُعيم يروي الأحاديث الموضوعة دون تنبيه، وهو ما أشار إليه ابن الجوزي في "صفة الصفوة"، حيث قال: ذكر في كتابه أحاديث كثيرة باطلة وموضوعة ولم يُبيّن أنها موضوعة. كما عُيب عليه أيضًا أنه ضمّ للمتصوفة كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وليس عند هؤلاء القوم خبر عن التصوف.
كما يؤخذ عليه إعادة الأخبار والمرويات الكثيرة في تراجم الرجال، كما في رواية كلام الحسن البصري، فقد أورد طائفة منها في ترجمته للحسن ثم أعادها في تراجم أصحابه وتلامذته الذين يروون كلامه، أمثال هشام بن حسان. وكذلك من المآخذ التي أُخذت على "الحِلية" تكرار التراجم، فقد نرى ترجمة رجل واحد في موضعين مثل ترجمته لأبي الأبيض العابد، وترجمة أحمد الموصلي، وسباع الموصلي، وعبد الله بن دينار وغيرهم، وربما يعود ذلك إلى ضخامة الكتاب أو إلى أنه كُتب على فترات زمنية متباعدة.
ومن المآخذ أيضًا رواياته لأخبار لا يجوز فعلها، وهي من الحكايات الغريبة التي تخرج عن نطاق العقل والمنطق، وهي بدايات الشطحات الصوفية التي لا يجوز أن تُذكر. وكذلك من المآخذ عليه أنه لم يستقصِ ذكر العباد والزهاد، فقد فاته خلق كثير، ولم يستقصِ عابدات النساء، فلم يذكر مثلًا رابعة العدوية المشهورة.
غير أن هذه المآخذ لا تقلل من أهمية الكتاب الذي يُعدّ من أهم كتب تراجم الصوفية وأقوالهم.



